DFB Templates
this site the web

التخريب الوراثي وليس التغيير الوراثي – الدكتور محمد الفايد

التخريب الوراثي وليس التغيير الوراثي – الدكتور محمد الفايد

 قال تعالى في سورة النساء :

 إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117)لَعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118)وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120)أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)


 

التخريب الوراثي وليس التغيير الوراثي

 

هل هو علم أم لعب أم جهل؟

dbe26c514bef7d3435fff2eb48e9a7e9 التخريب الوراثي وليس التغيير الوراثي   الدكتور محمد الفايد

الدكتور محمد الفايد, الدكتور الفايد, محمد الفايد

 لم ينشأ علم الوراتة إلى حديثا، ذلك أن في أوائل القرن العشرين اكتشف ماندل انتقال الصفات الوراثية الظاهرة عند النبات، ولاحظ أن الصفات الوراثية تتبع قانونا إحصائيا دقيقا. وتمكن بواسطة تتبع الصفات الظاهرة عند البسلة، حيث زرع نوع متجعد الحبوب وأصفر، بجانب نوع أملس الحبوب وأخضر. وعند جمع الغلة لاحظ ماندل أن من بين الحبوب نوع يختلف عن النوعين السابقين، وهو ظهور حبات متجعدة خضراء من بين الحبوب.

وعلى أساس عد الحبات من كل نوع، وإعادة التجربة، وضع ماندل أول قانون في علم الوراثة، وأصبح يحمل إسمه “قانون ماندل” في علم وراثة النبات، وعقبه مورغان بأبحاثه حول ذبابة الخل أو ذبابة الفواكه، (Drosphile) ليتحكم في الصفات الوراثية، وترابطها وتعقديها وظهورها في السلالات المتتالية. وتمكن مورغان من تتبع الصفات من سلالة لأخرى، ليرى الصفات الظاهرة والجنس، فرأى أن هناك صفات تنتقل من الذكر إلى الأنثى، وصفات تنتقل من الأنثى إلى الذكور عند الأبناء.

 ومع اكتشاف الحمض النووي سنة 1956 بانجلترا، زادت حدة علم الوراثة وزاد الاهتمام، بل ظهرت علوم عديدة منها علم الأحياء الجزيئي، والهندسة الوراثية، وعلم الأحياء الدقيقة وما إلى ذلك، وتفرعت الأبحاث حتى أصبح هذا العلم يشمل ميادين عديدة.

علم الهندسة الجينية    Genetic Engineering

تشمل الهندسة الجينية علم الوراثة وأسس البايلوجيا الجزيئية(Molecular Biology )، ويستهدف هذا المجال مصدر المعلومات الوراثية. ويشمل علم الهندسة الجينية كل التقنيات المستعملة في تغيير الصفات الوراثية كالمعالجة الجينية gene manipulation  والتنسيل الجيني Gene cloning والتحوير الوراثيGene modification  وكذلك تقنية الحمض النووي المؤشب Recombinant DNA technology، وتصب كل هذه المصطلحات الشائعة حاليا فيما يدعى الآن بعلم الهندسة الجينية genetic engineering والذي يستهدف المجالات التطبيقية التالية:

– تحديد وظيفة الجين (المورثة) وتركيبه

– إنتاج المركبات لأهداف علاجية بالطرق الحيوية

- تطبيق الهندسة الجينية على النبات والحيوان والجراثم  (Transgenic plants, animals and microorganisms)

 وتقود الدعامة الرئيسية للمعالجة الجينية بخطواتها الأربعة (توليد قطع من الحمض النووي، ربط هذه القطع بالبنيات الناقلة (فيروسات أو بلاسميدات)، ثم إدخالها في الخلايا المراد تطويرها، وأخيرا اختيار التتبعات المرغوبة وعزل التتابع المفرد من جزيئات الحمض النووي DNA  لغرض التنسيل الجيني.

يمثل الجين في علم الأحياء الجزيئي، الوحدة الأساسية للمعلومات الوراثية، أو بتعبير آخر يستخدم مصطلح الجين للتعبير عن المعلومات الوراثية المنسوخة إلى جزء مفرد السلسلة من الحمض النووي (mRNA) حيث يترجم إلى بروتين محدد. وتعتمد العمليات الحيوية بشكل أساسي على معرفة الشفرة الوراثية genetical code، وما هي السلاسل المرموزة في مصدر المعلومات الوراثية أو ما يدعى بالقوالب templets.

 وتختلف هذه العمليات في الكائنات الحية باختلاف طبيعة الذخيرة الوراثية، بحيث توجد الجينات في الخلايا المنعدمة النوى Prokaryotes بشكل يختلف عما هو عليه الحال في الخلايا المتاكملة النوى Eukaryotes من حيث موقعها وتعبيرها عن وظائفها الحيوية المتباينة، ويعتقد حاليا أن أنظمة الأوبروناتOperons   (وحدة الفعل المشترك) هي الأنظمة الشائعة في الخلايا المنعدمة النوى الممثلة في البكتريا. بالإضافة إلى ذلك فإن تركيب الجين وإظهار وظيفته في الخلايا المتاكملة النوى أكثر تعقيدا، ويتجلى ذلك في كون هذه الجينات محتوية على قطع إضافية في الحمض النووي لا يظهر ترميزها في الحمض النووي المرسال، والتي تعرف عادة بالانترونات Introns مدمجة مع تتبعات الترميز Coding sequences  والتي تدعى بالاكسونات Exons.

 ولوجود الأنترونات أهمية قصوى  في كيفية إظهار تعبير المعلومات الوراثية عند الخلايا المتاكملة النوى، وطريقة إزالة هذه الانترونات، قبل البدء في عملية الترجمة ليكون الناتج النهائي mRNA تام الوظيفة وجاهز للتصدير إلى السايتوبلازم. ويعد جين البيطاغلوبلين (B globuline) عند الثدييات، والحمض النووي المرسال المعالج، أمثلة جيدة لتوضيح تركيب الجين ووظيفته عند متكاملات النوى. تتضمن عملية الاستنساخ Transcription عدة مراحل أساسية هي:

- ارتباط انزيمRNApolymerase مع الحمض النووي  (DNA)

– بدء التسلسل واستطالته

- تحرير الرنا        (RNA)

  تحتاج الترجمة إلى جزيء mRNA مجهز بجزيئات الرنا الناقل tRNA وكذلك الرايبوسوماتRibosomes ، والتي تعتبر المواقع التي تتمثل فيها البروتينات بالإضافة إلى الأنزيمات المختلفة.

  يتطلب العمل مع الأحماض النووية إلى معالجة وتقدير وتحليل جزيئاتها، ويتطلب فهم الطرق الروتينية والتعامل مع الأحماض النووية، فهم طرق عزلها من مصادرها المختلفة (فيروسات – بكتريا – نبات – حيوان) ويجب أن تكون هذه الطرق المستخدمة دقيقة قدر الإمكان، وعادة ما كون الطرق الأنزيمية هي المفضلة، ليتسنى الحفاظ على تركيب جزيئات هذه الأحماض النووية، وبالتالي الحفاظ على وظائفها الحيوية.

 يحتاج مهندس الجينات التمكن من قطع الحامض النووي DNA من مصادر مختلفة وربطه، وكذلك قدرته على نقل الحامض عبر الخطوات العلمية المختلفة، بالإضافة إلى نسخ جزيئات الـ DNA المؤشبة وتعريفها. إن الوسائل اللازمة لتنفيذ هذه المعالجات هي الأنزيمات والتي تدعى بأنزيمات القطع (التحديد) Restrictionenzymes  والتي يمكن عزلها وتنقيتها من الكائنات الحية على نطاق واسع.

 

 وتعد أنزيمات القطع (التي تقطع الـ DNA في مواقع محددة) من أهم المجموعات الأنزيمية لمعالجة الـ DNA. وتوجد هذه الأنزيمات في خلايا الجراثم (البكتريا)، إذ تعمل كجزء من آلية تدعى بنظام القطع والتحوير Restriction- modification، إذ يميئ في هذه الآلية أي جزء خارجي من الدنا قد يظهر في الخلية. ولغرض منع الأنزيمات من العمل على DNA الخلوي (الضيف) فإن أنزيمات التحوير تغير من طبيعة الدنا الضيف بإضافة مجموعة مثيلات لقواعد نايتروجينية خاصة لتتابع محدد حيث تمنع أنزيمات القطع من قص أو قطع الـ DNA.

 يعتبر أنزيم ربط الحمض النووي والمسمى ب DNA-ligase من الأنزيمات المهمة التي تستخدم بشكل واسع في الهندسة الوراثية، لربط السلاسل المنتجة، والتي تعطي للمهندس الوراثي الحرية في بناء هذه الجزيئات المؤشبة. إن هذه التقنيات المستخدمة ما هي إلا تقنيات أنابيب اختبار وبدون الحاجة إلى النظام الحي.

 تكمن أهداف الهندسة الوراثية في حقيقيات النوى المتكاملة (الراقية) في مجالين:

– إدخال الحمض النووي المؤشب إلى خلايا النبات والحيوان ضمن مزرعة نسيجية لدراسة أسس التعبير الجيني كمادة للبحث أو لإنتاج البروتينات المفيدة.

- إدخال بنية وراثية لكائن حي لتنمية كائنات حية متطورة عبر الجينات transgenic والتي تحمل فيها جميع خلاياها التحوير الوراثي. وللغرض الأخير مشاكل تقنية مثل صعوبة الإدخال المبكر للحمض النووي المؤشب ضمن تطور الناقل، ويمكن إدخال النواقل المستخدمة لخلايا النبات والحيوان مباشرة بواسطة التقنيات الجديدة أو باستخدام آلية حيوية حينما تكون النواقل على شكل فيروسات أو عوامل إصابة أخرى كالبكتيريا مثلAgrobacteria.  تكمن فعالية إيصال الحمض النووي إلى الخلايا المستهدفة في كونها عامل حاسم لتحديد أي نجاح لأي تجربة تنسيل وبشكل خاص عندما يكون هناك عدد كبير من الكائنات الحية المعاد الضم فيها.

1 -  مصطلحات جديدة في ميدان التغذية

- البايوتيكنولوجيا

 هو لفظ عام للتعريف بالتقنيات التي تطبق وتلازم الأجسام الحية، من جراثيم ومتعضيات، وحشرات، ونبات، وحيوانات، وما إلى ذلك من الأحياء، لإنتاج مواد غذائية، أو مواد كيماوية ذات أهمية طبية أو فلاحية. ويدخل في هذا التعريف، الأجسام الحية المغيرة أو المحورة وراثيا، من حيوانات ونباتات وجراثيم على حد سواء. والبايوتكنولوجيا مصطلح يهم الصناعة والإنتاج وتطبيق الأساليب، أكثر ما يهم المادة نفسها، ولذلك أصبح هذا المصطلح  واسع النطاق، من حيث يهم كل استعمال أو إنتاج تدخل فيه الأحياء أو الأنزيمات من المصدر الإحيائي. وقد اعتقد بعض الناس أن هذا المصطلح يخص علم الأحياء الجزيئي Molecular biology .

 - البياستي  (BST)

أو هرمون النمو، ويعتبر هذا الهرمون أول منتوج بطريقة الهندسة الوراثية، والذي اعترفت به الولايات المتحدة، واستخدم في إنتاج الحليب عند البقر. بيد أن هدا الهرمون لا يسوق حاليا  في أوروبا.

- البي تي  (BT)

 إشارة  مختزلة   تحمل الحروف الأولى لجرثوم  (Bacillus turingiensis) وتتكون الباءات من أبواغ جرثومة قاتلة للحشرات، تستعمل لمقاومة الحشرات المضرة للنبات.

 - الجينات  Genes

 وهي جزء يمثل صفة وراثية عند الكائنات الحية، وقد تكون هذه الصفة وظيفة، كتمثيل بعض الجزيئات الكيماوية. وهذا الجزء هو الذي ينقل عبر الهندسة الجينية، لتغيير أو تكسيب أي صفة وراثية عند الكائن الحي نباتا أو حيوانا أو جرثوما. والجينات هي الوحدات الوراثية إذ لا يمكن نقل أقل من مورثة لأن كل مورثة تقابلها صفة وراثية.

 الهندسة الجينية، ولو أن التعريف يصعب شيئا ما، لتشعب الاختصاصات والميادين، فيمكن حصر التعريف في مبدأ هذا العلم، وهو إدخال صفة وراثية ما، ثابتة أو متنقلة، إلى كائن حي. وقد نعرفها بإعادة تركيب الحامض الحياتي أو النووي، بأخذ جزء من حامض نووي  لكائن حي ما، وإضافتها للحامض النووي عند كائن آخر، لإكسابه صفة وراثية جديدة أو خاصية جديدة. والأحياء المغيرة وراثيا هي التي طرأ على تركيب خلقها تغيير، عبر إدخال صفات وراثية جديدة. وما يعبر عنه بالأحياء العبر جينية، هي الأحياء التي طرأ على تركيب صفاتها الوراثية، تغيير اصطناعي أو مفتعل، فتكون البنية الأصلية للتركيب الوراثي، أو النوع الأصلي تغير تلقائيا. وقد تكون العودة إلى النوع الأصلي مستحيلة، نظرا لما يقع في التركيب الجزيئي للحامض النووي، الذي كلما كان كبيرا ليشكل صبغية عند الكائنات الكبيرة، كلما ازدادت عملية تغيير النوع تعقيدا.

 الكائنات المغيرة وراثياGMO  Geneticallymodifiedorganisms  وهو كل كائن حي من نبات أو حيوان أو جرثوم، وقعت في حامضه النووي تدخلات وعمليات، قصد إكسابه خاصية أو خاصيات زائدة. وتقع هذه التدخلات بواسطة التقنيات المختلفة، التي تعتمد على خصائص الأنزيمات المختزلة للأحماض النووية، والتي تتنوع بتنوع الأجزاء والجهات التي يراد تقطيع الحامض منها. ومن هنا يظهر أن التدخل في الأصل الوراثي للكائنات الحية، يقضي بشكل جدري ونهائي على الكائنات الحية الأصلية أو الأم التي تم تغييرها بالتقنيات الجينية.

 التنقيل الجيني

أخذت ظاهرة التنقيل الجيني أو ما يسمى ب Transgeny حيزا نافذا في الميدان العلمي في أواخر القرن الذي ودعناه. وقد سلبت عقول الباحثين واسترعت انتباههم، من حيث أن الأبحاث العلمية تناولت هذا الموضوع إلى درجة لم يعد الباحثون يهتمون إلا بالمورثات. والتنقيل الجيني تتداوله المقالات العربية بمصطلح العبرجيني، ففي ذلك مغالطة لأن الذي استعمل الترجمة المحضة، لم يفكر في إيصال الخبر إلى القارئ العربي بطريقة تتلائم مع الأصل في الأشياء، وإنما جاء ذلك عفويا للخروج بنص عربي دون أن نقحم الحقيقة العلمية في النص. ومصطلح “تنقيل جيني” هو المصطلح الصحيح الذي يعكس الحقيقة العلمية من حيث المبدأ، لأن هذه المخلوقات من نبات أو حيوان أو جراثيم، تنقل إليها صفات وراثية خارجية أو أجنبية عنها. أما مصطلح “عبر جينية” فيعني تهجير صفة أو صفات من جانب لآخر ولا يتناسب مع الحقيقة العلمية.

 تكنولوجيا التيرمينتور Terminator وهي التجارب التي تجرى على النباتات، لتصبح الحبوب عقيمة فلا تنبث إذا زرعت مرة ثانية. وهذا هو الخراب بنفسه، خصوصا إذا كان من لدن الأقوياء في الميدان الإنتاجي. فهذه التقنيات تعطي التفوق للبلدان المتقدمة علميا، والتي تمسك بزمام الأمور إلى درجة أنها أصبحت توجه الإنتاج وتفرض خطتها في التنمية، وهي الآن تقول بشتى الوسائل لتنهج طريقة القوة مثلما  ما فعل المفسدون من قبل ونجد قوا الباري في هذا الشأن .. لا أريم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وكل ما يؤسف له أن هدا التخريب، يمر عبر البحث العلمي، وبإقناع  الباحثين في الدول التي لا حول لها ولا قوة .

 2 - أخطار التغيير الوراثي للمخلوقات

لا شك أن الصناعات الأحيائية (Biotechnology) وصلت إلى تخمة علمية هائلة، وقد صاحب هذه التخمة تزكية الطب لكل المواد الاستهلاكية، وهي تبريرات خاطئة ولا يعرف مآلها إلى حد الآن، واستعمال التغيير الوراثي في ميدان الإنتاج، لن يكون إلا سيف قهر جديد على رقاب دول العالم الثالث، وهذا الخطر من المستوى العالي ليس في صالح البشرية.

ونظرا لوجود عاملين أساسيين:

 -العامل الأول: السرية واستبداد الغرب بهذه التقنيات جعل الأمور تتعقد، لأن البحث أصبح استراتيجية. وهذا ما يجعل النتائج تستعمل لأغراض مادية وسياسية صرفة، وليست إنسانية رغم أكذوبة تكثير وتحسين الإنتاج، التي تستعمل في الخطابات الرسمية، ونحن نقول تخريب الإنتاج وليس تحسين الإنتاج.

 -العامل الثاني: التسابق نحو البراءات المسجلة، تماما كما يقع بالنسبة لصناعة الأسلحة، مما أعطى التفوق للدول الغنية، وزاد من حدة الأزمة في البلدان النامية وبلدان العالم الثالث على الخصوص.

 وتكمن أهداف التغييرالوراثي في حقيقيات النوى المتكاملة (Eucaryots) في مجالين:

 1. إدخال الحمض النووي المؤشب، إلى خلايا النبات والحيوان، ضمن مزرعة نسيجية لدراسة أسس التعبير الجيني، لإنتاج مواد مفيدة كالبروتينات لمقاومة مرض ما، أو للنمو السريع، أو للتكيف مع الظروف البيئية الصحية، وما إلى دلك من الخصائص للزيادة في المردودية.

2. إدخال بنية وراثية لكائن حي، لتنمية كائنات حية متطورة عن طريق التنقيل الجيني transgenic ولهذا الغرض الأخير مشاكل تقنية، مثل صعوبة الإدخال المبكر للحمض النووي المؤشب، ضمن تطور الناقل، ويمكن إدخال النواقل المستخدمة لخلايا النبات والحيوان مباشرة بواسطة التقنيات الجديدة، أو باستخدام آلية حيوية، حينما تكون النواقل على شكل فايروسات، أو عوامل إصابة أخرى كالبكتيريا مثل  Agrobacteria. تكمن فعالية إيصال الحمض النووي إلى الخلايا المستهدفة، في كونها عامل حاسم لتحديد أي نجاح لأية تجربة تنسيل، وبشكل خاص عندما يكون هناك عدد كبير من الكائنات الحية المراد الضم فيها.

وقد تم تحوير عدة نباتات، بدعوى تحسين المردودية، ومقاومة الأمراض، والفساد الذي قد يتعرض له المنتوج أثناء الخزن. لكن الأمر يختلف في حقيقته، لأن الشركات التي تعمل على هذه التقنيات تستبد تمام الاستبداد بكل قرار، وترفض وضع بيانات على المنتوجات المنحدرة من النباتات المغيرة. ولا يهمها في الوقت الحالي الأضرار التي قد تنتج عن هذه النباتات أكثر ما يهمها المدخول والأموال، التي ستكسبها في الأسواق العالمية. ولا نظن أن العلماء الذين عملوا في ميدان الهندسة الجينية أو البايوتيكنولوجية، يتفقون مع الشركات التي تستغل هذه العلوم لهدف مادي محض.

من جملة الأهوال التي قد تتسبب فيها الهندسة الجينية:

ـ القضاء على النباتات الأصلية أو الطبيعية،  مع عدم التمكن من الرجوع إلى السلالات الطبيعية.

ـ انخفاض الجودة الغذائية للمخلوقات الجديدة، ولو يزعم أصحابها أنها بجودة أحسن.

ـ عدم التأكد من حمل جينات خطيرة من لدن النباتات المغيرة ومرورها أو تمريرها إلى الإنسان.

ـ عدم التحكم في هذه النباتات وما قد تحدته بالبيئة، وعدم الرجوع إلى الوراء في حالة ظهور كارثة طبيعية من جراء هذه المخلوقات الجديدة.ـ

 تعميم تقنيات التغيير الوراثي، والعبث بالأنواع والسلالات النباتية.

ـ احتمال فقدان السيطرة على النباتات العبر جينية، وخطر التناسل مع النباتات العادية. ولا نعلم ما قد يحدث، أو يمكن أن يطرأ على العالم الحي بأكمله، من جراء الجينات أو المورثات المنقولة إلى الكائنات المغيرة.

 إن إنتاج الزراعات المغيرة وراثيا على مستوى شاسع، يمكن أن يكون له انعكاسات على المحيط البيئي المتنوع، وعلى توازن الطبيعة، وعلى الحيوان والبيئة. ولا نعلم إلى حد الآن كيف ستتعامل الحشرات والحيوانات الصغيرة والزواحف، والجراثيم وما إلى ذلك، مع هذه النباتات، إذا علمنا أن الجردان مثلا، لا تقرب النباتات المغيرة جينيا، ومعلوم أن الجردان تقدم بشراسة على النباتات الطبيعية. فهذا يعني أن النباتات الجديدة بها خطر، وهو أمر منطقي لأن هذه النباتات بمجرد تغيير التركيب الوراثي  لم تعد طبيعية.

إن الجينات الناجمة عن الزراعات المغيرة وراثيا، يمكن أن تنتقل إلى الزراعات التقليدية وإلى كل النباتات المحيطة بها، لتنتقل بعدها إلى كل أنحاء المعمور. وبالنسبة للجراثيم المغيرة وراثيا، يمكن أن يقع اضطراب بالنسبة للمضادات الحيوية، كما يمكن أن تظهر أنواع خطيرة، أو أن تكتسب بعض الأنواع قوة مرضية فوق العادة.

 إن استعمال الهندسة الجينية أصبح علما قائما بذاته، ولديه كما لجميع العلوم إيجابيات وسلبيات. ولا يمكن أن نتجاهل الدور الذي قد تلعبه هذه العلوم في الميدان الفلاحي والبيطري والصحي والغذائي والصيدلي ومجالالبيئة وما إلى ذلك. وتتجه كل الأعمال والأبحاث والمضاربات إلي هذه الميادين وإلى الإنتاج وتحسين المردودية، والتحكم ظاهرا في بعض الأساليب المغرية والتي تحتل موضعا حساسا، لا يقبل النقاش كإنتاج المضادات الحيوية والهرمونات كالأنسولين .

أ- النباتات المغيرة جينيا

يتضمن إنتاج الكائن الحي المغير بالتنقيل الجيني   transgenic organisms أو تبديل بنيته الوراثية، وعلى هذا الأساس، أصبح هذا المجال سببا للقلقفي استخدامات الهندسة الوراثية. وبالرغم من ذلك، فقد وضعت بعض الأهداف لتحسين المحاصيل الزراعية، وقد تم التوصل إلى نجاحات مؤكدة، وتحتاج المعالجة الجينية في النباتات إلى طرق جيدة، لإدخال الجينات المرغوبة والفهم الجيد للوراثة الجزيئية للكائن الحي المراد معالجته. إنالأهداف المطروحة لتحسين المحاصيل الزراعية عبر الهندسة الوراثية، تتضمن مقاومة الأمراض، والقدرة على تحمل الظروف البيئية، وزيادة فعالية تحويل الطاقة، والقيمة الغذائية، وتثبيت النايتروجين وغيرها. وقد نعمل على تحسين هذه الأشياء، بدون اللجوء إلى التنقيل الوراثي  (Transgeny)كما كان سائدا في كل العصور، و نعلم أن التنقيح الطبيعي ربما يلعب دورا أضمن وأصح من التنقيل الجيني.

ويعد إدخال الحمض النووي المنسل للخلايا النباتية، تطبيقا روتينيا في العديد من المختبرات المنتشرة في العالم. ويمكن استخدام عدة طرق مثل الحقن الدقيق، أو قاذفة إطلاق الحمض النووي، أو الطريقة الحيوية، والتي يتم فيها دمج هذا الحمض مع الخلايا البنات من خلال الناقل، وتعد بلازميدات Ti من أهم النواقل الشائعة، لاحتوائها على جينات مسؤولة عن وظائف محددة، ولإمكانيتها التكامل مع الذخيرة الوراثية النباتية. وقد حددت الخريطة الجينية لهذه البلازميدات بشكل دقيق ومفصل.

 وهناك عدة تطبيقات في شتى الميادين، ومن بينها الميدان الفلاحي والبيطري على الخصوص،إذ أصبحت المزروعات المنقلة جينيا (transgenic cultures) سائدة في أمريكا وأوروبا ونظرا لمردوديتها المرتفعة. وأصبحت هذه المنتوجات تغزو الأسواق الأوروبية، بل أصبح القرار السياسي بأيدي المنتجين، وليس بأيدي الباحثين. وهذا ما يبين خطر الفلسفة العلمية، والغاية من البحث العلمي بشكل عام. فلربما كان البحث بدأ بتجارب على الفئران للمعرفة العلمية المحضة، ثم تعممت النتائج على مخلوقات أخرى من بينها النبات، وآل المآل إلى استعمال تقنيات الهندسة الجينية لغرض الإنتاج، وهو ما تصبو إليه العلوم. لكن هذه العلوم تتحول كسابقاتها إلى الاحتكار والكسب، ثم التفوق وتنتقل تلقائيا إلى غاية مادية محضة، لتصبح أخيرا سلاحا استراتيجيا في أيدي الدول القوية .

 - الحيوانات المغيرة جينيا

تعد تنمية  الحيوانات المتطورة عبر الجينات، من أحد المجالات الأكثر تعقيدا في الهندسة الوراثية، ويكمن ذلك في المصاعب التقنية، بالإضافة للقضايا الأخلاقية، وبالرغم من ذلك تمتلك الهندسة الوراثية حاليا تأثيرا هائلا في دراسة تركيب الجين، وإظهار تعبيره في الخلايا الحيوانية. إن أفضل الأمثلة لذلك هو البحث المتواصل حول مرض السرطان، والأمراض الوراثية الأخرى، ويحتاج البحث في الوراثة الجزيئية للأمراض، إلى استخدام واسع لتقنية المعالجة الجينية. وفي مجال الإنتاج البروتيني، فإنه من الأفضل، أن يتم بناء البروتينات المركبة والمشتقة باستخدام الخلايا المزروعة في الثدييات، وقد توسعت دراسة تطور الجنين، من خلال إمكانية إدخال الجينات إلى البويضات، أو الأجنة المبكرة التطور، وهناك مجال آخر للمعالجة الجينية للحيوانات الحقلية، وذلك عن طريق دمج الصفات المرغوبة.

 ولتوليد الحيوانات المتطورة عبر الجينات، يفضل أن تستلم جميع خلايا الكائن الحي المنقولة، وإن إدخال  هذه الجينات في الخلايا المولدة germ cells  يتيح لها المرور إلى ولادات جديدة ناجحة، وإذا لم يكن بالمستطاع الوصول إلى ذلك، فإنه من الممكن تطوير بما يدعى بالجنين الفسيفسائي.

إن من جملة التطبيقات التي عرفتها الهندسة الوراثية، تقنيات الأبقار والأغنام المنقلة جينيا، حيث ثم انتقاء بعض السلالات، عبر المعالجة الجينية والتخصيب أو التلقيح الاصطناعي. لقد بدأت الأبحاث في هذا الميدان أول الأمر بتقنيات تجميد الخلايا المنوية للثيران، حيث يمكن خزنها لمدة تعد بالسنوات. ووضعت هذه الخلايا في أنابيب بلاستيكية، حيث يمكن خزنها في قوارير معدنية تحت برودة 73 درجة تحت الصفر. وعند الحاجة، فإن هذه الأنابيب تلقح بها الأبقار بسهولة، حيث تتم عملية التلقيح بدون ثور أو ما يسمى بالتلقيح الصناعي. ويمكن نقل هذه الخلايا من بلد لآخر، ويمكن كذلك التحكم في السلالات، حيث يمكن اختيار أحسن سلالة لإنتاج الحليب، أو أحسن سلالة لإنتاج اللحم وما إلي ذلك.

 وانتقلت الأبحاث إلى زراعة الأجنة، حيث تمكن العلماء من تخصيب الخلايا خارج الرحم وزرعها بعد ذلك. وأدت هذه التقنية إلى إمكانية تخصيب الخلايا إلى طور الجنين، ثم تجميده وخزنه تحت نفس الشروط التي بيناها سابقا. وتعطي هذه التقنيات مردودية عالية من حيث الإنتاج، ومراقبة السلالات، وزرع أكثر من جنين عند الأغنام على الخصوص. وأدت الأبحاث في هذا الميدان إلى أكثر من ذلك، حيث تم إنتاج الأبقار والأغنام والخنازير العبرجينية.

وبنفس المسار والفكرة عرف ميدان النبات هذه التقنيات، حيث تم إنتاج ما يسمى بالنباتات العبر جينية، وهي سلالات نباتية تمت معالجتها بالهندسة الوراثية، لتصبح ذات خصائص جديدة تكون أحسن في الغالب من حيث المردودية، لكن ليست بنفس الجودة الأصلية. ويتم إدخال بعض الصفات الوراثية الأجنبية على السلالة الأصلية، لتعطي سلالة مختلفة من حيث الصفات.

وأصبحت تقنيات زراعة الأنسجة سائدة وجارية في العالم، بل تكاد تندثر السلالات التقليدية للمزروعات العادية، كالطماطم، وفول الصويا،وعدد من النباتات ذات الأهمية الغذائية والصناعية. ونرى أن كل الأشياء الطبيعية أصبحت تتغير من حولنا ولا نعي ما يقع، خصوصا المستهلك العادي، وقد يقبل الناس هذا الأشياء تحت تأثير الإعلام والترويج لها عبر وسائل الإعلام، والأبحاث العلمية، والندوات وكذلك الفاعلون التقنيون، الذين تأطروا في هذا الدول ورجعوا مقتنعين بهذه التقنيات.

وإذا كان كل أو جل الباحثين يقبلون بالتغيير الوراثي كحل للأمن الغذائي، وكتحسين للمردودية والإنتاج، فإن عذرهم لا يتحدى الطرح العام الذي لا يزال يؤطر لهذه الكارثة: وهذا الطرح العام نجده على لسان الأطباء والبياطرة ومهندسي الزراعة، كلهم يحفظون جملة واحدة وهي أن الأبحاث والدراسات لم تبين بعد خطر هذه المنتجات. والغريب الغريب أن عامة الناس يخشون من المنتجات بينما يقتنع بها الباحثون. إنه لعجب عجاب. لكن الذي يساعد على القبول بهذه الكارثة الطبيعية، هو جهل رجال الفقه بالمسألة لأنها طبعا مسألة متخصصة وفنية عالية. ولم يسألوا أصحاب الاختصاص في الميدان، ومن لهم علم بالموضوع، فالتخصص ليس تخصص الأطباء بأن ينظروا في مسألة التغيير الوراثي، ومن ثم كانت الكارثة لأن الميدان الطبي لا يرى إلا ما يهمه في المسألة وهي إنتاج اللقاح والهرمونات والمضادات الحيوية واستعمال الهندسة الوراثية لتحليل الأمراض المتعلقة بالجهاز العصبي وما إلى ذلك وهذه كلها أشياء قد نقبلها بسهولة لأن الحي المغير وراثيا لا يدخل الجسم بل المواد التي ينتج هي التي تستخرج وتنقى وتحقن في الحسم مثل الأنسولين والصومطوستاتين والبنسلين والبروجيسترون وما إلى ذلك، لكن لما يتعلق الأمر بإنتاج اللحوم والحليب والحبوب والخضر والفواكه والقطن والأسماك والأسلحة الجرثومية فلأمر ليس أمر الأطباء وإنما أمر المتخصصين في الميدان.

والعجب العجاب أن بعض المجلات العربية تنشر الخبر المتعلق بالتغيير الوراثي على أساس أنه خبر هام ونافع وأنه الخير للبشرية، وتطاعنا مجلة الإعجاز العلمي بأخبار في الموضوع وكأنها أخبار مهمة وتعزز الخير بأن الإنجاز هائل وأنه سيأتي بالحلول لبعض الأمراض كالسرطان. إنه العجب العجاب وإننا لنستغرب لعلماء المسلمين لما يضعفوا إلى هذه الدرجة، وهل ذلت الأمة حتى لا يبقى فيها عالم واحد ليجهر بالحقيقة؟ إنه العجب لما نرى علماء أمريكا ينكرون التغيير الوراثي ويخشونه أكثر ما يخشون الموت بينما يتغنى به الباحثون في البلدان العربية. فهل هناك من ينقد البشرية من هذه الكارثة العلمية التي ستكون نهاية العالم؟ أم أن الباحثين في البلدان العربية سيطبقون التغيير الوراثي على ما تبقى من خلق الله كالجمال والنخيل؟ إذا كان كذلك فعزاؤنا واحد في موت الأرض. كثير ممن درسوا في البلدان الغربية يظنون أنهم لم يتأثروا ولكن في الحقيقة فقد تأثروا دون أن يشعروا، وإلا فلماذا يتسابقون إلى تزكية هذه العلوم المدمرة؟

وجه الإعجاز في موضوع التخريب الوراثي

لا يمكن أن نرى الصحيح من الخطأ، إلا لما نرجع إلى النور الذي يضيء الطريق إذا أظلم، ولقد أظلم حتى حلك. لكنه نور لمن يجعله الله له نورا، وهو القائل سبحانه وتعالى في سورة النور  ومن لم يجعل الله نورا فما له من نور إن الله سبحانه وتعالى جعل لنا في القرآن الذكرى لنتذكر لما نبتعد عن الطريق الصحيح، ولما نتذكر نستيقظ من جديد، ثم نبدأ حياة جديدة ليس فيها دخن. والباري سبحانه وتعالى ذكرنا وجعل لنا علامات لنتهدي بها في حياتنا، وإلا فنكون عاجزين على التدبير بأنفسنا، فسيكون الضلال والضياع. يقول العزيز الجبار في سورة النساء إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آدان الأنعام ثم لآمرنهم فليغرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا.

قبل القراءة العلمية للآية الكريمة، نلاحظ أن القرآن يحمل قوة الوصول إلى كل المستويات وإلى كل الفئات، وهذه القوة تكمن في اليسر كما قال سبحانه وتعالى في سورة القمر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر ولما نقرأ الآية نفهم منها بدون علوم وبدون بحث علمي وبدون تخصص، أنها تتكلم عن شيء من عمل الشيطان، وتكلم عن اتباع طريق الشيطان، وهنا يفهم كل من يؤمن بالله ورسله وكتبه وملائكته، ويحس كذلك فطرة أن الأمر فيه فساد، وفيه خطر على الأمة من هذه الأفعال. وبهذه الكلمات البسيطة يمكن أن ننبذ كل أعمال الشيطان، ومنها التغيير لخلق الله، ولعل الألفاظ واضحة ولا تسمح بالتأويل على غير المعنى، التي جاءت به وهو تبتيك آدان الأنعام وتغيير خلق الله، ولا يمكن أن نفهم إلا التقنيات التي تغير من خلق الله، وليس هناك ما يتقارب مع هذا اللفظ. وإذا رجعنا إلى المتفق عليه من التفاسير التي جاءت في الجامع لأحكام القرآن وتفسير ابن كثير، حيث ذهب علماء السلف الصالح إلى بعض الممارسات، التي من شأنها أن تقترب من المعنى، والتي كانت سائدة آنذاك ولا تتطرق هذه التفاسير إلى التغيير الوراثي، لأنه لم يكن يخطر على بال المفسرين أن تغيير الخلق قد يكون وراثيا.

تبدأ الآية الكريمة بالتذكير بالشرك واتباع غير الله، وهو قوله تعالى إن يدعون من دونه إلا إيناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله. ويجمع المفسرون على أن الإيناث التي جاءت في الآية الكريمة هي الآلهة، أو الأصنام التي كانت حول الكعبة، وقد كان لكل قبيلة صنم تعبده وتتقرب إليه، ولم يذهب أحد من المفسرين إلى غير ذلك، ولم تطرح أية شبهة حول هذا الاتفاق من لدن المفسرين، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتصور طرحا آخر، لأن هؤلاء المفسرين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا على علم بالآلهة وبالأصنام لأنهم عاشوا الجاهلية، وشهدوا كل الممارسات التي كانت تمارس آنذاك. ولهذا فلا يمكن لنا أن نذهب إلى غير هذا التفسير.

ولعل ما يزكي هذا الطرح حول الإيناث أو الآلهة، هو كون التحقير بالتأنيث كان جاريا في هذا العصر، ولذلك جاء القرآن بنفس اللغة، لكي يكون التعبير واضحا، والتأنيث قد يكون لغير التحقير، وقد جاء في القرآن الكريم على غير ذلك، ومنها قوله تعالى غي سورة الأعراف: لقد جاءت رسل ربنا بالحق الآية 43  وكذلك قوله تعالى في نفس السورة قد جاءت رسل ربما بالحق الآية 53. وقد لا يكون التأنيث للتحقير لأن الآلهة جمع إله، وهو اسم يأتي على هذه الصورة. وربما كان تفسير الإيناث بالآلهة من تزكية قوله تعالى في سورة نوح: وقالو لا تدرن آلهتكم ولا تدرن ودا ولا سواعا ولا يغوت ويعوق نسرا، وهي آلهة كانت تأخذ صور الحيوانات، وأكثرها على هيأة الطير كالنسور. وكذلك قوله تعالى بالإشارة وليس باللفظ  في سورة الزمر ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرآيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون، ونرى أن الخطاب القرآني يستعمل التأنيث للتعبير عن الآلهة، ولذلك لم ير المفسرون أن يخرجوا على هذا النهج لأنه أمر اعتيادي وعادي، ولا يتطلب تأويلا على غير ذلك، أو حتى بيان وجه الاشتباه، لأن الأعراف الجاهلية كانت عادية ومألوفة، وما سميت أعرافا إلا لأنها كانت معروفة.

ونرى أن هذه القوة الرمزية التي كانت ممثلة في الآلهة ستعود وبشكل آخر في زمننا، ولذلك قرنها الله سبحانه وتعالى مع تغيير الخلق، وقد خص الله سبحانه وتعالى الآلهة بالتعبير المؤنث، وقد كانت الأنثى أقل شأنا لما نزل القرآن. ودعوة الآلهة هي دعوة الشيطان، لأن العبادة إما أن تكون لله، وإما أن تكون للشيطان، وليس هناك فريق ثالث، وبدأ هذا الفصل لما خالف الشيطان أمر الله سبحانه وتعالى لقوله سبحانه في سورة فاطر: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير 6، ونلاحظ دائما دعوة الشيطان للإنسان باقتراف الفساد، وكل عمل يخرج عن الفطرة السليمة للبشر. وقد توعد الشيطان أن يضل الإنسان ويغريه ليخرجه ويبعده عن الطريق التي ارتضاها الله لهذا الإنسان. وفي المقابل نجد أن القرآن يحذر من اتباع الطريق الخاطئ في سورة النور لقوله تعالى يا أيها الذين امنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من احد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم 21، 

لكن في الآية التي تخص تغيير الخلق، نجد أكثر مما توعده الشيطان في الآيات السابقة، وهو أمر الشيطان بتخريب الأرض. والآية جاءت بالأمر وهو أمر يقترن بالقوة، لأن الذي يأمر يكون أقوى من المأمور، وهذا الأمر ليس لكل أو عامة الناس وإنما لفئة معينة، وهي الفئة التي سيؤطرها الشيطان على مراحل. ونجد هذه المراحل في الآية الكريمة ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آدان الأنعام ولآمرنهم فليغرن خلق الله. ونلاحظ أن المرحلة الأولى تشمل الضلال، ولأضلنهم لأن الضلال هو الذي سيحدد هذه الفئة التي سؤطرها الشيطان، ولماذا يبدأ بالضلال؟ لأن الخروج عن العقيدة يجعل صاحبه يفعل أي شيء، وبدون الضلال لن يفلح الشيطان في أمره، ولن يتمكن من جر الإنسان إلى الفساد، ومرحلة الضلال هي المرحلة الأولى التي ستسهل تأطير الفساد، ثم تليها مرحلة الأمنية، وهي المرحلة التي يصبح فيها الشخص جاهزا للفساد والاستجابة للشيطان، ولأمنينهم، والأمنية تجعل الإنسان يتطلع إلى أشياء مثيرة وجذابة، من حيث يوحي الشيطان إلى صاحبها أنه سيشهر وسيصبح عميدا، أو أكبر باحث، أو أهم شخصية، وأن البشرية كلها لا تفهم شيئا، وتأتي المرحلة الأخيرة لتتوج هذا التأطير والتكوين، وهي مرحلة الأمر ولآمرنهم لكن هذا الأمر سيكون على مستويين، فالمستوى الأول وهو مستوى بسيط لا يظهر فيه أي شيء خطير، وهو سهل كذلك، ويخص هذا المستوى تبتيك آدان الأنعام، وهذا الأمر الأول يظهر سهلا وفي متناول الإنسان، وتبتيك آدان الأنعام ليس إلا تمهيدا للمرحلة الأخيرة، ونرى أن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة عميقة وحيطة وحذر، وأن ينتبه العلماء إلى هذا العمل  الشيطاني.

ونجد في كتب التفسير أن التبتيك يعني فلق آدان الأنعام بالسكين لغرض ما، وقد كان الناس يفعلون ذلك في الجاهلية، لكن التبتيك يجب أن يكون متصلا بتغيير الخلق، الذي سيأتي تفصيله فيما بعد. وربما يكون التبتيك هو ما يقع في عصرنا للأنعام، وبما أن السلف الصالح عاش مرحلة الجاهلية، ورأى كل ما كان يفعله الناس، وهو أدرى بما كانت عليه البشرية، ونحن الآن نعيش عصر تبتيك الأنعام، لأننا نراها أمام أعيننا، ونحن أدرى بهذه الأفعال، ونرجح تبتيك الأنعام الحاصل اليوم على ما كان عليه الحال في زمن الوحي. ومن الناحية العلمية نرى أن علاقة التبتيك بتغيير الخلق هي علاقة قائمة ومتصلة، فتبتيك الأنعام يقترن من الناحية العلمية بالحيوانات التي تم انتقاؤها وتسجيلها في ملف يجمع كل المعلومات على هذه الأنعام، والإنتقاء لا يكون طبيعيا وإنما بتدخل الإنسان، ليدخل بعض الجينات على السلالة لتصبح بمردودية أكثر. وإدخال هذه الصفات يكون بالهندسة الجينية، والتغيير الوراثي كان قد بدأ من هذه المرحلة، ليتسع أكثر ويشمل صفات أكبر.

وبعد الحيوانات العبرجينية يأتي دور التغيير الوراثي، وهو الأمر الثاني الذي توعد الشيطان أن يأمر به، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله. وهذا التغيير يشمل الحيوانات لأن تبتيك الأنعام لا يكون إلا للحيوانات، وتغيير الخلق يعني حسب كتب التفسير )الجامع لأحكام القرآن للقرطبي وتفسير ابن كثير والضلال لسيد قطب( الإخصاء، والوشم والوصل، وكل الأفعال التي تمارس على الأنعام في الجاهلية، ونرى أن هذه الأعمال لا تدخل في إطار تغيير الخلق. لأن الإخصاء ليس إلا تقنية تسهل التسمين، والوشم أو وضع علامة على الأنعام لكي لا تختلط. ولما جاء التعبير بالخلق، فإن التغيير يكون من جهة الوراثة، بمعنى أن الصفات الوراثية التي تحدد الخلق هي التي تتغير، وهو التغيير الذي أصبحنا نشاهده بأعيننا في العصر الحاضر. ولايزال الجدل قائما بشأن تغيير الخلق وقد اشتبه الأمر على علماء المسلمين، كما اشتبه عليهم الأمر مع الداروينية، وسكوت العلماء يعني موت الأمة ويعني كذلك قوة العالم، لأن الصفات التي يتميز بها العالم هي القدرة على مقاومة الفساد، والبقاء على الحق مهما يكلفه الأمر من تضحية، وعدم السكوت عن الظلم، والجهر بالحق في وجه الظالم، والتورع والاستقامة والزهد والتعبد والسهر على العلم وتعليمه والعزوف عن الدنيا والاستعداد التام للآخرة وما إلى ذلك. والعالم يتحمل مسؤولية علمه إن لم يعمل به.

وتنتهي الآية كذلك بذكر الشيطان، وقد أتى ذكره مرتين في هذه الآية، وهو قوله سبحانه وتعالى ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا. ولا يمكن لمن يتبع الشيطان أن لا يخسر الخسران المبين، أو بلغة أخرى أشر الخسران. وإذا فكرنا وتذكرنا جيدا في الآية الكريمة نجد أن تغيير الخلق الذي جاء في الآية الكريمة هو التغيير الوراثي الذي يتسابق نحوه كل العالم، وقد استهوى هذا العلم كثيرا من الأتباع من الباحثين، وجلهم لا يعمل في حقل البحث، ولا سبق له أن دخل مختبرا للتغيير الوراثي، ومع ذلك فهو يحاول أن يعلم الله بما لا يعلم. ولنقف عند كلمة خسرانا مبينا التي جاءت في الآية الكريمة، ثم لننظر هل حقا يمكن أن تخسر هذه الدول التي اتبعت خطوات الشيطان، والجواب هو نعم بدون شك. فأمريكا مثلا هي أكبر بلد منتج لفاكهة اللوز، وقد عمدت إلى تغييره وراثيا، فأصبح كل الأمريكيين أو جلهم على الأقل لديهم حساسية للوز، وهناك قانون متشدد مع الصناع الذين يضيفون اللوز للحلويات، وقد وضعت تقنيات دقيقة، تستطيع تقييم أثر اللوز في المواد الغذائية. ولو بقيت أمريكا على إنتاجها الطبيعي لما وقع لها ما وقع. وهي الآن لا تستطيع أن تعود للإنتاج الطبيعي. وبريطانيا تعتبر أكبر بلد منتج للأغنام، وهو البلد الذي ينافس أستراليا، لكنها عمدت إلى إحراق هذه الأغنام خوفا من الحمى المالطية، ونذكر أن بريطانيا هي التي أرادت أن تفتخر بالاستنساخ. والدول الاسكندنافية تعاني من الدايوكسين في أسماك الأحواض مثل سمك السلمون، وهذا السمك شمله التغيير الوراثي. وجل أوروبا بما في ذلك فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا لا يأمن فيه المستهلك لحم البقر، نظرا لظهور داء جنون الأبقار. والدرة العبر جينية أو ما يسمى درة راندوب ريدي لاتقدر عليها حتى الجردان في الحقول. والصويا كذلك تسببت في موت العديد من الأشخاص، قبل أن يكتشف العلم الجزيئات السرطانية، والتي لا توجد في الصويا الطبيعية بينما توجد بكثرة في الصويا العبر جينية. وهنا يظهر الفساد المبين، لأنه لا يهم الفرد وإنما يهم شعوبا بأكملها، وربما يهم كوكب الأرض، وقد أصبح العلماء الآن عاجزين عن احتواء المشكل، لأن العوامل البيئية كالرياح وحركة الناس على الأرض جعلت من المستحيل التحكم في المسألة.

وكما أشرنا إلى ذلك فالعلماء اشتبه عليهم الأمر، ويجب ألا يشتبه علينا نحن كذلك، وأن نختصر الطريق ونعود قبل أن نصاب بنفس المصائب. وهناك بعض الأشجار التي لاتنبت في أورربا أو أمريكا مثل نخيل الثمر، وهي أشجار شرقية وعربية، وكذلك بعض الحيوانات التي توجد في الدول العربية والإسلامية، أكثر ما توجد في الدول الأخرى. وربما تسول لبعض الباحثين في الدول العربية تغيير هذه المخلوقات، ليعم الفساد، وليكون فسادا مبينا حقا. ونحن نعلم أن في هذه الدول بعض الباحثين الذين اقتنعوا بالتغيير الوراثي، كعلم وكتقنيات تساعد على الإنتاج، ولانتمنى لهم التوفيق في مهمتهم إن أرادوا أن يغيروا الجمال ونخيل الثمر. واشتباه الأمر على الناس يتجلى في اختلافهم حول الموضوع، وانبهارهم لهذه التقنيات القاتلة للطبيعة، ولنتفكر في قول الباري سبحانه في سورة الرعد قل من رب السماوات والأرض قل لله قل أفتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار. ونقف على نفس النهج الذي يتبعه هؤلاء الذين يريدون أن يغيروا خلق الله، وهو قوله أفتخذتم من دونه أولياء وقد جاء في آية تغيير الخلق في سورة النساء نفس القول وهو ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله، وهي تزكية لهذا القول الذي يبين الاشتباه الحاصل اليوم في الخلق. 

ونجد ما يعلل ويوضح هذا الطرح العلمي في سورة لقمان كذلك حيث يقول سبحانه وتعالى خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبت فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماءا فأنبتنا فيها من كل زوج كريم  وقد تقدم الحديث عن السماوات وعن العمد في موضوع خلق السماوات، ونضيف لمسة بسيطة في هذا المشهد أن حجية القرآن تنطلق من الحقيقة الملموسة المطلقة، التي لا تحتاج إلى آلة ولا إلى تحليل، وفي هذه الآية نجد حقائق تابتة. فالسماء بغير عمد، يمكن رؤيتها كذلك، والأرض بالرواسي ويمكن رؤيتها، فالعمد للسماء والرواسي للأرض. ويبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية تلخيص كيفية الخلق، فبدأ بالسموات، فأشار سبحانه وتعالى الى الرفع بغير عمد، ولم يقل خلق السموات أو سبع سموات، وإنما بين الكيفية التي توجد عليها السموات، لأن فيها عبرة ودلالة وإشارة إلى وحدانية خلقه، ثم جاء ذكر الأرض، ليس بالخلق وإنما مشيرا الى تتبيتها وتوازنها، وضبط حركتها، ولم يقل كما قال في آيات أخرى خلق الأرض، وإنما قال سبحانه وألقى في الأرض رواسي هكذا يعبر الخالق عن خلقه كما سيقر أنه خلقه في الآية التي تلي. وهذا الوصف هو ما نريد تبيانه لعلماء الميدان، وهو تقسيم العالم الحي إلى المملكة الحيوانية والمملكة النباتية كما تصفها الكتب العلمية. فقال بالنسبة للمملكة الحيوانية  وبت فيها من كل دابة  فخص سبحانه الأحياء كلها بالبت، وهو التعريف الذي نعرفها به في العلوم الحديثة، أي الحركة والتناسل لأن الدابة تعني من يتحرك، والبت يعني التكاثر والانتشار، وهذا هو تعريف الأحياء. أما المملكة النباتية فيقرنها بالماء، ويصفها بالإنبات فقال عز وجل في الشطر الأخير من الآية  فأنبتنا فيها من كل زوج كريم. ويختلف النبات عن الحيوان بكيفية النمو، لكن بين الله سبحانه وتعالى أن هذا النبات يتناسل كذلك، فأشار اليه بالزوج ذكر وأنثى، ولم يقل فأنبتنا فيها نباتا، وإنما وصف هذا النبات بكيفية النمو، لأنه قد علم أن العلوم ستأتي على بيان هذه الخصائص. وهذه الآية بما تشتمل عليه من الإعجاز العلمي، وبما تتسم به من بلاغة لغوية لتحديد الوصف وجعله شاملا كاملا في أربع جمل، تزيد القرآن تعظيما وسموا عن الأوصاف والعلوم البشرية. وفي الآية التي تلي يقول سبحانه وتعالى  هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الله الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين.

ولنرى لماذا جاء التعبير في هذه الآية بوصف دقيق جدا من الناحية العلمية. لماذا يصف الله سبحانه وتعالى النبات في هذه الآية الكريمة بالزوج الكريم؟ لقوله تعالى وأنبتنا فيها من كل زوج كريم. فالزوجية في النبات تابتة وقد وقفت العلوم على ذلك مؤخرا. لكن كلمة كريم تعني علما آخر يتناقض مع الخلق، ولذلك نجد هنا تحذيرا لا ينتبه إليه العلماء، فتعبير من كل زوج كريم  الذي جاء في آخر الآية، يتفق مع ما جاء في الآية التي تليها، وهي قوله تعالى هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ظلال مبين.

وجاءت كلمة كريم في سورة الواقعة لقوله تعالى لا بارد ولا كريم. وقد نعلم أن ماء جهنم لا يمكن أن يكون إلا حاميا يشوي الوجوه، بمعنى أن كريم هنا جاء تفسيرها بالضد، ليفهم المعنى فهما دقيقا، فالكريم هو دون ما يشوي ويقتل ويقطع الأمعاء، كما جاء في آيات أخرى. لكن الآية تتكلم عن النبات وجاء التعبير بالكريم، بمعنى أن هذا الخلق الذي خلقه الله سبحانه وتعالى لا يؤدي، ولا يقطع الأمعاء، ولا يضر ولا يصيب الإنسان بمرض. لكن ما العلاقة بين هذا الوصف، وهذه الأعراض؟ ولماذا جاء التعبير هكذا؟ فهناك شيء يريد الله سبحانه وتعالى أن يبينه للناس، فالوصف القرآني وصف مدقق، والحقيقة القرآنية حقيقة مطلقة، والخبر القرآني فيه ما ينفع الناس. جاء هذا الوصف لأن الله سبحانه وتعالى كان يعلم أن الإنسان سيغير هذه الأشياء، لتصبح غير كريمة، وكان يعلم كذلك أن الإنسان الذي اتهمته الملائكة بالفساد قبل أن يخلق سيفسد في الأرض.

فالنبات الذي خلقه الله سبحانه وتعالى أو النبات الطبيعي، كما نعبر عنه في العلوم الحديثة، ينفع الإنسان ويحفظ الجسم من الضرر، وكل المكونات التي تقي وتحفظ وتنمي الجسم موجودة في هذا الخلق. لكن طغيان العلوم والإصابة بالغرور، جعل البشرية تنسلخ عن المسار الفطري والطبيعي، لتجد نفسها سجينة علومها، ولاتزال البشرية تائهة في الميدان العلمي، وقد وصلت الآن إلى ما لا تحمد عقباه في الميدان الأحيائي، وهو ما سينعكس سلبا على الإنسان، ليعيش في تعاسة وخيبة أمل. فظهور الأمراض المزمنة كان نتيجة الثلوت البيئي، وانتقال الإنسان من الحياة العضوية أو الأحيائية إلى الحياة الكيماوية. فالزراعة كانت أحيائية من حيث كانت تستعمل السماد العضوي، وكانت لا تستعمل المبيدات والأكياس البلاستيكية لخزن الحبوب، وكانت لا تعالج الحبوب بالمبيدات أثناء الخزن. ونلاحظ أن التغيير الوراثي واستعمال التقنيات الحديثة في الإنتاج أدى إلى كارثة أحيائية، وقد وصلت البشرية الآن إلى نقطة اللارجوع، بل قد يصبح من المستحيل الرجوع إلى الإنتاج الطبيعي، الذي جاء التعبير القرآني في شأنه بالكريم. ولنلقي نظرة موجزة عن الخلق الجديد، أو النبات الذي لم يعد كريما، بل أصبح قاتلا لنجد أن النبات الذي خلقه الله أو النبات الطبيعي كان يحتوي على مغذيات مرتفعة إلى درجة أن الخبز كان يكفي احتياجات الجسم. وكان يحتوي على مكونات طبية تقي الجسم وتبقيه على التوازن الفايسيولوجي كارتفاع الضغط مثلا أو ظهور أعراض في الجهاز الهضمي، ومن جملة هذه المكونات نجد الإمونات وهي جزيئات ترفع مناعة الجسم وتقيه، أم النبات المغير وراثيا فلا يحتوي على مغذيات مرتفعة ولا يحتوي على مواد طبية وأكثر من ذلك أن الإيمونات استبدلت بالألرجنات، ولذلك كان الوصف لما خلق الله سبحانه وتعالى بكريم ليبين أن الذي غيره الإنسان ليس كريما، وكذلك جعل التغيير الوراثي من عمل الشيطان.

منقول عن الدكتور محمد الفايد

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

Recent Posts

 

W3C Validations

Cum sociis natoque penatibus et magnis dis parturient montes, nascetur ridiculus mus. Morbi dapibus dolor sit amet metus suscipit iaculis. Quisque at nulla eu elit adipiscing tempor.

Usage Policies